الانتخابات البلدية في المغرب ومسألة التقارب بين اليسار والإسلاميين
21 July 2010 , by عبد العلي حامي الدينتاريخ الانتخابات في المغرب ليس تاريخا للتنافس السياسي بين مشاريع وبرامج سياسية مختلفة، وإنما كانت الدولة دائما حاضرة في مختلف مراحل العملية الانتخابية. فبعد عقود من التدخل المباشر لتزوير إرادة الناخبين، لم تتغير استراتيجية الدولة من الناحية العملية. فلا زالت تمثل طرفا أساسيا في العملية الانتخابية، لكنها أضحت تتدخل بأسلوب مختلف، عن طريق استراتيجية التحكم عن بعد، وذلك لتتجنب قانون المفاجأة الذي يحكم المنافسة الانتخابية في جميع الأنظمة الديموقراطية، وللحيلولة دون تبلور مؤسسات قوية تعكس تمثيلية شعبية حقيقية، وتستطيع اتخاذ قرارات مسنودة بالشرعية الديموقراطية. فرغم جميع خطابات الانتقال الديموقراطي، ورغم توصيات هيئات الإنصاف والمصالحة القاضية بالإصلاحات المؤسساتية، وإصلاح نظام الحكامة، لا زالت الصورة المترسخة لدى العديد من المراقبين للحالة السياسية المغربية أن الانتخابات المغربية لا تحمل مفاجآت ذات قيمة.
ويبدو بالفعل أن الدولة في المغرب نجحت في رسم استراتيجية التحكم القبْلي في نتائج الانتخابات وفي نفس الوقت محاولة الظهور بمظهر الحياد والمحافظة على الشكل الديموقراطي.
وكمثال، فإن تحليل المعطيات اللافتة للانتخابات البلدية الاخيرة في المغرب (12 حزيران/يونيو 2009) تطرح ثلاثة عناصر أساسية:
أولا، العناصر القانونية المنظمة للانتخابات أو آليات التحكم عن بعد، ثانيا، ظاهرة "حزب الأصالة والمعاصرة" أو حزب صديق الملك، ثالثا، التقارب بين "العدالة والتنمية" و"الاتحاد الاشتراكي" أو بداية تحالف بين اليسار والإسلاميين.
العناصر القانونية المنظمة للانتخابات
تمت المصادقة على مدونة الانتخابات داخل مجلس النواب، وقبله ببضعة أسابيع، تمت المصادقة من طرف الأغلبية البرلمانية على الميثاق الجماعي "الجديد". الانتخابات البلدية 2009 جرت في ظل لوائح انتخابية مشكوك في شفافيتها، بعدما "عجزت" الدولة عن إلغاء اللوائح الانتخابية الحالية ووضع لوائح جديدة مع اعتماد التسجيل الأتوماتيكي للناخبين على أساس البطاقة الوطنية، كما كانت تطالب المعارضة، وهي كانت قد تراجعت عن وعودها سنة 2002 باعتماد بطاقة التعريف الوطنية في الانتخابات التشريعية ل2007. وأصرار الدولة على التصويت ببطاقة الناخب يشكل مدخلا للتلاعب بأصوات المواطنين.
و"نجحت" الدولة في فرض تقطيع الدوائر الانتخابية بطريقة لا تستجيب لأبسط المعايير المتعارف عليها، وأبرزها الإكثار من الجماعات القروية التي لا تتوفر على شروط الحياة، وإغراق جسم المستشارين بالعالم القروي بالشكل الذي يؤدي إلى عدم التوازن في التمثيلية، إذ يمثل 55% من سكان العالم الحضري حوالي 18% فقط من المستشارين، في حين يمثل 82 % من المستشارين 45 % من سكان العالم القروي. ويعني هذا عدم تناسب عدد المقاعد المتنافس حولها مع عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية (وهذه من أبرز القواعد المعيارية المتعارف عليها في القوانين الانتخابية).
كما تم اعتماد نمط الاقتراع باللائحة في 92 دائرة فقط، وهي الدوائر التي يتجاوز عدد ناخبيها 35 ألف ناخب، وذلك من أصل أكثر من 15000 دائرة ، مما يعني فسح المجال أمام مفسدي الانتخابات لاستثمار مساوئ النظام الفردي، وعلى رأسها سهولة استعمال المال للتأثير في أصوات الناخبين، وسهولة توظيف المعطى القبلي والعشائري في العملية الانتخابية.
وحرصت الحكومة، في الوقت الذي يشتكي فيه الجميع من كثرة الأحزاب التي لا تعكس في جوهرها تعددية حقيقية، على رفض كل المقترحات الرامية إلى اعتماد عتبة تمثيل محترمة تسمح بفرز قوى سياسية كبرى وتشجع الأحزاب الصغيرة على التكتل في أقطاب سياسية واضحة، على غرار الأنظمة الانتخابية الديموقراطية (عتبة التمثيل في بريطانيا و تركيا وغيرها 10 % )، واكتفت بعتبة 6% ، وهي ليست كافية لتجميع أصوات الناخبين في مشاريع سياسية قوية، خصوصا إذا علمنا أن العديد من الأحزاب السياسية أضحت مرتهنة لنظام الأعيان المحليين الذين يفتقرون إلى امتداد سياسي وطني، ولا يعبرون عن مشروع سياسي حقيقي بل عن مصالح فردية أو فئوية ضيقة، سرعان ما تحول المجالس الجماعية الى التشتت.
ظاهرة حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب صديق الملك
في سنة 2007، قدم السيد فؤاد عالي الهمة استقالته من وزارة الداخلية بعد عشرين سنة من العمل، معلنا بأنه قرر أن يستريح من السياسة وأن يتفرغ لنفسه وأعماله. وبعد أقل من شهرين، قرر الترشح للانتخابات التشريعية في إطار لائحة مستقلة ل"خدمة منطقة بن جرير" بشمال جنوب المغرب، وفاز بطريقة استثنائية أثارت العديد من الأسئلة، بعدما روج بين الناخبين أنه "مرشح الملك" للانتخابات، وبأنه صديقه الذي جاء لخدمة المنطقة. وكان ظهوره الإعلامي الأول مخصص للهجوم على حزب العدالة والتنمية، معتبرا إياه حزبا يحمل "أفكارا ظلامية خطيرة"، واستفاد الحزب من حق الرد مباشرة في اليوم التالي وفي نفس البرنامج بالقناة الثانية.
وفي ظرف وجيز، وجد السيد فؤاد عالي الهمة نفسه رئيسا للجنة الخارجية بمجلس النواب، ثم قائدا لفريق برلماني يتشكل من حوالي أربعين نائبا، ونحو هذا العدد بمجلس المستشارين، بعدما استطاع استقطابهم من أحزاب سياسية أخرى. ثم أسس "حركة لكل الديموقراطيين" التي اعتبرت ناديا للتأمل السياسي، وللتفكير في ما حدث بعد 7 ايلول/سبتمبر2007 ، مشددا على أنه ليس في نيته تأسيس حزب سياسي، وأن حركته لها أهداف ثقافية ومدنية لا علاقة لها بالشأن السياسي اليومي. لكن سرعان ما فتحت شهية "المناضلين" للمشاركة في الانتخابات التشريعية الجزئية التي أجريت في أربع مدن سنة 2008، ولم يحصل فيها الحزب إلا على مقعد واحد، عاد للمرشح السابق نفسه، فخرج الحزب من هذه التجربة مستفيداً منها لرسم سياسة انتخابية تعتمد على الأعيان وعلى محترفي العمليات الانتخابية القادرين على تحصيل المقاعد بطرق بعيدة عن العمل السياسي.
ثم جاء تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة الذي فشل في الإعلان عن نفسه في صيغة اتحاد حزبي بعدما انسحب منه حزب القادري (الوطني الديموقراطي) وحزب الوزاني (حزب العهد) وحزب العلمي (البيئة والتنمية)، الذين تبين لهم بعد احتكاكهم عن قرب بمؤسس الحزب بأنه يحمل مخططات تهدف الى ابتلاعهم ثم التخلص منهم في أقرب فرصة ممكنة.
ولم تخل محطة المؤتمر التأسيسي لهذا الحزب من بعض الإشارات الدالة على نزوعاته الإقصائية، ومن ذلك الإبعاد المتعمد لثلاث مؤسسات إعلامية من تغطية أشغال المؤتمر بسبب مواقفها النقدية منه. وحرص قياديو الحزب الجديد على الاكتفاء بدعوة الأحزاب التي تتفق معهم في الرأي. ثم جاءت الانتخابات الجماعية (البلدية) ليتبين بأننا أمام حزب الدولة الذي جاء بمبادرة فوقية، ليؤكد استمرارية إرادة التحكم في الحياة الحزبية والسياسية.
النتائج التي أسفرت عنها انتخابات 12حزيران/ يونيو 2009 تثير الكثير من التساؤلات. فقد كرست حصول حزب سياسي لم يمض على تأسيسه سوى ثلاثة أشهر على المرتبة الأولى، مكرساً مقولة "الحزب الأغلبي" التي يوظفها النظام السياسي عشية كل استحقاقات انتخابية، وبالتالي ممارساً الديموقراطية المهندسة واستراتيجية التحكم الثابتة في الانتخابات المغربية بطرق مختلفة.
هناك تخوفات حقيقية لدى جميع الديموقراطيين بأن هذا الحزب يمثل خطورة على مستقبل الديموقراطية في المغرب. وهي ليست نابعة من قوته على المستوى الميداني، ولكنها باتت مشروعة بسبب تحالف بين "مبعوث الدولة إلى الحقل الحزبي" وبين جزء من اليسار، الجزء المتشبع بانتهازية واضحة، ولم يعش تجربة العمل الحزبي، ويعتمد الإقصاء، ولم يتمرس على ثقافة الاختلاف والتعايش مع المنافسين، ويضمر عداء فطريا للمخالفين. وعلاوة على ذلك، فهناك في الحزب بعض من أصحاب الأموال والأعيان يسعون لتحصين مصالحهم الاقتصادية وثرواتهم المادية عن طريق تحصيل مقاعد تمثيلية في المجالس البلدية أو في البرلمان. ومبعث الخطورة في هذه التجربة أنها ليست صادرة عن رؤية فكرية صلبة يمكن أن تحاكم على أساسها، ولا تتوفر على مرجعية سياسية حقيقية تحكم سلوكها السياسي.
كان من الملفت أن يكون شغل الاصالة والعاصرة الشاغل في الأيام الأخيرة للأنتخابات هو العمل على إفشال التحالفات التي نجح حزب العدالة والتنمية في صياغتها مع أحزاب أخرى، وذلك باستخدام جميع الطرق للضغط على ممثلي هذه الأحزاب لفك تحالفاتها، بما فيها استخدام فيتو "التعليمات الملكية السامية" كما حصل في العديد من المدن، خاصة وأن حزب العدالة والتنمية حصل على المرتبة الأولى في المدن، مما مكنه من الترشح لرئاسة العديد من بلدياتها.
يرفض الحزب الجديد أن ينعت بأنه حزب الدولة، لكن الكثير من المؤشرات تدل على ارتباطه ببعض الدوائر العليا داخل أجهزة الدولة، وإلا بماذا نفسر الصمت الرسمي لأعلى سلطة في البلاد إزاء الضغوطات التي تمت باسم الملك في الدار البيضاء وفي وجدة وفي الرباط وفي طنجة. إن الموقع الرمزي والمعنوي للسيد فؤاد عالي الهمة رسم صورة لدى الرأي العام بأنه يتمتع بنفوذ واضح مستمد من قربه من الملك، لكنها في الوقت نفسه صورة الرجل البراغماتي الذي يسعى لخدمة مصالحه ومصالح أصدقائه عن طريق الاستثمار في السياسة، وتوظيف جميع الإمكانات المسموح بها من طرف الدولة لتحقيق مجموعة من الأهداف: خلق قطب سياسي كبير للتأثير في مجريات الحياة السياسية في المرحلة القادمة ومواجهة الإسلاميين.
لكن هذا النموذج يعاني من بعض الاختلالات البنيوية، من بينها أنه ليس تعبيرا عن حاجة اجتماعية وسياسية عميقة، ولا يندرج ضمن صيرورة نضالية طبيعية تعبر عن تطلع فئات اجتماعية معينة، بقدر ما نلاحظ أن الملتفين حول هذا "المشروع" لا يجمعهم أي رابط إيديولوجي أو مذهبي، وتحرك معظمهم نزعات القرب من السلطة ورعاية مصالحهم الخاصة، كما أن هذا " المشروع" قائم على شخص محوري ربما سيفقد جاذبيته بمجرد ما يفقد سر قوته ونفوذه.
التقارب بين العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي أو بداية تحالف بين اليسار والإسلاميين
مسألة التقارب بين اليسار والإسلاميين ليست جديدة على المشهد السياسي المغربي، فعندما تم تعيين الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أولا في آذار/مارس 1998، وهو الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي آنذاك، قرر حزب العدالة والتنمية مساندة حكومة اليوسفي مساندة نقدية دون أن يشارك فيها، وقد استند هذا القرار على جملة من الاعتبارات السياسية منها: تعزيز فرصة نجاح الانتقال الديموقراطي، وفسح المجال أمام الوزير الأول لاتخاذ مجموعة من الإصلاحات المرتبطة بترسيخ الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان، والانتقال من نموذج الدولة السلطوية التي عرفها المغرب في مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني إلى مرحلة الديموقراطية التي يتطلع إليها المغاربة والتي ناضلت من أجلها الأحزاب الوطنية والمنظمات الحقوقية وحركات المجتمع المدني من أطياف فكرية مختلفة.
استمرت هذه المساندة لمدة تزيد على سنتين قبل أن يقرر حزب العدالة والتنمية الانتقال إلى ما سماه "المعارضة الناصحة"، وذلك على خلفية الاحتجاج على مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، التي تضمنت مجموعة من المقتضيات اعتبر الحزب انها تتنافى مع الشريعة الإسلامية.
تميزت العلاقة بين الحزبين بعد هذه المرحلة بالتوتر والملاسنات الكلامية والإعلامية، وصلت إلى أوجها عندما طالب أحد قياديي الاتحاد الاشتراكي بحل حزب العدالة والتنمية بعدما حمّله المسؤولية المعنوية عن الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء ليلة 16 أيار/ماي 2003. وقد أثر هذا المناخ المتوتر في طبيعة العلاقة بين الحزبين، خصوصا مع الانتخابات البلدية عام 2003 التي انخرط فيها الحزبان في تحالفات متناقضة، ولم يسجل أي تحالف بينهما لتشكيل المجالس الجماعية بل وقفا على طرفي نقيض في التحالفات التي نسجت في معظم المدن المغربية.
لكن مواقف الطرفين المتبادلة بدأت في الانفراج بعد الانتخابات التشريعية 2007 حيث انتهيا الى تقييم الظروف العامة التي أجريت فيها هذه الانتخابات، والتي شهدت نسبة مشاركة ضعيفة لم تتجاوز 37% ، كما تميزت بالاستخدام المكثف للمال السياسي و"الحياد السلبي" للإدارة، وغير ذلك من الانتهاكات.
وقد تميز المرحلة الفاصلة بين 2007 و2008 بتنظيم كلا الحزبين لمؤتمراتهما الوطنية التي أفرزت تغيرا في خطابيهما. فالبنسبة للاتحاد الاشتراكي، برزت مجموعة من الأصوات تدعو إلى تدشين مرحلة جديدة في العلاقة بحزب العدالة والتنمية، والاعتراف به كعامل حاسم في تطوير المسار الديموقراطي في المغرب، وقد عزز هذا التوجه أطروحته ب:
1- فشل الكتلة الديموقراطية التي تضم كل من الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية في تحقيق الأهداف التي أسست من أجلها في بداية التسعينات، ودخول العلاقة بين الاتحاد اشتراكي والاستقلال في مرحلة من عدم الثقة والتنابز الإعلامي، غذتها بعض التصريحات الصادرة عن أحد قياديي الاستقلال التي تتهم المهدي بن بركة بارتكابه جرائم قتل في حق بعض الوطنيين.
2- الاعتراف العام الشائع بحزب العدالة والتنمية كقوة سياسية حقيقية قادرة على لعب أدوار مهمة في المراحل القادمة، وتقدير الأداء المتمز لهذا الحزب في البرلمان المغربي. وقد أثمر هذا التوجه برفع التحفظ السابق على إمكانية التحالف مع العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية ل2009 بعدما كان في الانتخابات السابقة يعتبر بمثابة خط أحمر.
3- التنبيه إلى خطورة الدور الموكول "للوافد الجديد"، وهي التسمية التي أطلقها بلاغ للمكتب السياسي على حزب السيد فؤاد عالي الهمة ، والتي تستهدف النيل من مصداقية الأحزاب الوطنية التاريخية وتحميلها مسؤولية ضعف المشاركة الشعبية في الانتخابات، وتقدير الموقف الواضح لحزب العدالة والتنمية من حزب الأصالة والمعاصرة.
أما بالنسبة للعدالة والتنمية: فقد تميزت مرحلة ما قبل المؤتمر الوطني للحزب، بمجموعة من المبادرات:
1- إطلاق حوار داخلي أفرز وثيقة سياسية هامة سميت "النضال الديموقراطي مدخلنا للإصلاح"، وهي وثيقة تلتقي في العنوان مع "استراتيجية النضال الديموقراطي" التي انتهى إليها المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1975، كما أن مضامين الورقتين تلتقيان في بعض الأفكار، ومنها مسألة الدفاع عن الديموقراطية، ومد اليد لجميع الديموقراطيين من جميع الاتجاهات بغض النظر عن خلفياتهم الفكرية والإيديولوجية.
2- تصريحات الأمين العام الجديد لحزب العدالة والتنمية الذي لم يتردد في التعبير عن إرادة التعاون والعمل المشترك مع الأحزاب الوطنية التاريخية وخاصة مع الاتحاد الاشتراكي، وهو ما فاجأ العديد من المراقبين الذين لمسوا تحولا واضحا في خطاب العدالة والتنمية اتجاه الاتحاد الاشتراكي.
كما ساهمت مجموعة من المعطيات الموضوعية في تقريب الفجوة بين الطرفين، من بينها:
1- وجود طرف سياسي جديد يهدد ما راكمه المغرب من تقاليد ديموقراطية. وهناك تخوفات من إعادة إنتاج نموذج حزب الدولة الكبير الذي يهيمن على المشهد الحزبي الوطني.
2- طبيعة النظام الانتخابي الذي لا يمكِّن أي طرف سياسي من الحصول على الأغلبية، وبالتالي ضرورة البحث عن تحالفات مع أحزاب أخرى لتشكيل أغلبيات تستطيع تسيير الجماعات البلدية.
3- الإحساس المتبادل بين الاتحاد اشتراكي والعدالة والتنمية بضرورة الالتقاء الموضوعي لمواجهة التحالفات المحتملة بين حزب الأصالة والمعاصرة وباقي الأحزاب التي ارتبطت نشأتها بالسلطة، والتي لا تستطيع الصمود أمام الضغوطات التي يمكن أن تمارس ضد هذه الأحزاب للتحالف مع حزب صديق الملك المعزز بدعم بعض الجهات داخل السلطة.
خلاصات
كشف المناخ العام الذي جرت فيه الانتخابات، وكذلك عملية تشكيل المكاتب، عن وجه قبيح لدى الدولة قادر على تدمير ما تبقى من ثقة قليلة للمواطن في السياسة، وهو ما بات يؤكد أن هناك مدخلا واحدا لتحقيق الإصلاح وفق شروط سليمة، وهو المزيد من النضال من أجل تفكيك بنية الاستبداد، والعمل من أجل إقرار إصلاحات سياسية تعزز المسؤولية السياسية للحكومة، وتعزز صلاحيات ومصداقية المؤسسات المنتخبة، وتوفر الشروط اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعيد الاعتبار للمشاركة السياسية. يمر كل ذلك بإقرار إصلاحات دستورية عميقة تعيد تركيب خريطة توزيع السلطة في الدستور المغربي، وتفصل السلطة عن القداسة، وتقر حق المواطنين في اختيار من يحكمهم وحقهم في مراقبته ومحاسبته.
كما بات من الضروري إصلاح النظام الانتخابي بما يمكِّن من فرز خريطة سياسة واضحة قائمة على أغلبيات منسجمة وحكومات أو مجالس محلية قوية، وتعزيز الضمانات القانونية لنزاهة الانتخابات من تصويت ببطاقة التعريف الوطنية وانتخاب مباشر لرئيس المجلس الجماعي من قبل المواطنين، وتعميم نمط الاقتراع باللائحة، ومراجعة التقطيع الانتخابي الذي ينبغي أن يصدر عن المؤسسة التشريعية وأن يقوم على أسس موضوعية لا على هواجس التحكم في الخريطة الانتخابية، مع ضرورة تعزيز دور القضاء في الإشراف على عملية الانتخابات.
ليست هناك وصفة لتحقيق الديموقراطية في هذا البلد، إلا عبر إعادة النظر في طريقة توزيع السلطة، وهو ما يتطلب دفع النقاش الذي ابتدأ بعد الانتخابات البلدية حول ضرورة بلورة جبهة للدفاع عن الديموقراطية، تضم جميع الأطياف السياسية التي تمتلك مقومات النضال من أجل ذلك، وتستطيع الصمود في وجه النزعات الهيمنية. وربما يكون التقارب الحاصل بين الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية مقدمة لتحالف استراتيجي بعيد المدى يمهد الطريق أمام تحول ديموقراطي راسخ.
• أستاذ العلوم السياسية وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية
The Arab Reform Initiative is a consortium of fifteen key policy research centers from the Arab world with partners from Europe and the United States, working to mobilize the Arab research capacity to advance knowledge and promote a home grown program for democratic reform.