Print fb

الاقليات والحقوق المتساوية: المواطنون الشيعة في السعودية نموذجا

21 July 2010 , by جعفر محمد الشايب

مدخل: السعودية والاقليات المتعددة

برزت قضايا الاقيات في العالم العربي مع تشكل الدول القطرية الحديثة التي كرست في كثيرمن الاحيان حالة التهميش والاقصاء للمكونات الاجتماعية المتنوعة في بلدانها، سعيا وراء ضمان حالة من الاستقرار المعتمد اساسا على هيمنة فئات سياسية واجتماعية محددة. وقد تتعدد اشكال واطر الاقليات وتتشابك بصور مختلفة اعتمادا على طبيعة النظام السياسي. فقد تجتمع اكثر من صفة لفئات اجتماعية معينة تجعل منها اقليات مركبة احيانا، وبدرجات متفاوتة، عندما تمتزج بعض العناصر المكونة لها مثل الاقليمية والاثنية والدينية والمذهبية والقومية وغيرها. كما تختلف ايضا حدة التمييز او التهميش الذي يمارس على أي من هذه الفئات نظرا لدرجة التعارض بينها وبين تركيبة النظام السياسي، او في ظل تطورات سياسية معينة لها علاقة بهذه الاقليات. كما تختلف ايضا ردود فعل هذه الاقليات بناء على خلفيتها الثقافية وتجربتها السياسية وحجم التهميش الواقع عليها ومدى علاقتها بالمحيط السياسي حولها. وتتفاعل المكونات والقوى الاجتماعية والسياسية مع قضايا الاقليات في بلدانها بصور مختلفة بناء على تداخل المصالح المشتركة ومدى نضج الوعي لها، وكذلك واقع النظام السياسي الذي قد يساهم سلبا في بلوة اطر تفاعل حقيقية بين هذه الاطراف

الصورة النمطية السائدة حول التركيبة الاجتماعية والمذهبية في المملكة العربية السعودية تقود الى تصور غير دقيق، وهو ان السعودية ذات اغلبية مذهبية سنية سلفية واقليات شيعية واسماعيلية وصوفية. وهي نتيجة طبيعية لسيادة تيار فكري ومذهبي مهيمن ومتحالف مع السلطة السياسية، هو مصدر شرعيتها منذ قيامها. وهذه الهيمنة الشاملة، التي امتزج فيها السياسي في الديني بشكل كبير، صبغت جميع اوجه المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي بصورة غيبت جميع المكونات الاخرى للمجتمع السعودي، وركزت صورة نمطية، مختلفة عن الواقع الفعلي، مما افرز تناقضات اجتماعية وثقافية ومذهبية تبرز بين الحين والآخر كرغبة في التعبير عن الذات وعن الهوية المناطقية والمذهبية والفكرية.

فبالاضافة الى وجود اتباع المذهب الشيعي كأكثرية في المنطقة الشرقية من المملكة، فانه يوجد في المنطقة ايضا اتجاهات مذهبية متنوعة كالمالكيين والاحناف ولهم تاريخهم وشخصياتهم ومدارسهم الدينية المختلفة. اما في منطقة الحجاز – الغربية – فان اتباع المذاهب الاسلامية الاخرى كالشوافع والمالكيين، اضافة الى الصوفية، يشكلون اغلب القاطنين فيها، وكان لهم دورا كبيرا في ادارة جميع الشئون الدينية في الحرمين الشريفين، والمدارس الدينية المتعددة، وكذلك في القضاء وغيره. وفي مناطق الجنوب، يشكل وجود الاسماعيلون والزيديون أغلبية مطلقة بحيث انتشرت منها الدعوة الاسماعيلية تاريخيا لمناطق اسلامية اخرى.

هذا التنوع المذهبي - سبعة مذاهب اسلامية مختلفة – يجعل من المملكة دولة ذات اقليات مذهبية متعددة، وليست كما يعتقد الكثيرون من أنها ذات مذهب سلفي واحد. ان اتباع المذهب السلفي – الحنابلة – يتركزون جغرافيا اساسا في منطقة الوسط (نجد)، ومنها انتشرت الدعوة الوهابية عندما تحالفت مع الدولة السعودية وهيمنت على بقية المناطق، وفرضت المذهب الرسمي للدولة على مختلف هذه المكونات، وهمشت دورها بشكل ملحوظ، مما سبب تضاؤل موقعيتها وتأثيرها على مختلف الصعد، وابرزها وكأنها ليست موجودة على ارض الواقع.

المواطنون الشيعة - لمحة تاريخية

يمتد الوجود الشيعي العربي تاريخيا في منطقة الخليج الى بداية العصر الاسلامي عندما والت قبائل بني عبد القيس التي استوطنت المنطقة اهل البيت بعد وفاة الرسول (ص) وأبان الصراع بينهم وبين الامويين. وعلى الرغم من تكرر سيطرة قوى خارجية متعددة على المنطقة بسبب ثرائها وموقعها الاستراتيجي، إلا ان مذهب التشيع كان هو السائد لدى اهلها بصورته المنفتحة اجتماعيا على بقية المذاهب الاسلامية في المنطقة.

ومع دخول واحات الاحساء والقطيف - التي يقطنها الشيعة – في الدولة السعودية الثالثة إبان تاسيسها على يد الملك عبد العزيز آل سعود في بدايات القرن الماضي، برزت تجاذبات مذهبية مختلفة بسبب ان الدولة الوليدة اعتمدت اساسا على قوات بدوية محاربة، وتم الاستقواء بتأثير العامل المذهبي اساسا للتوسع والحكم. وافرز ذلك بطبيعة الحال تناقضا اساسيا بين هذين المكونين، على الرغم من ان مؤسس الدولة ضمن للشيعة حرياتهم الدينية الاساسية في العبادة والقضاء مقابل الولاء السياسي للدولة.

وبسبب التداخل الطبيعي ثقافيا واجتماعيا بين الشيعة في السعودية والخليج وبقية الشيعة في المحيط العربي والاقليمي، فقد عزز ذلك قوة الممانعة لديهم وحصنهم من الاختراق المذهبي من قبل السلفيين. وبرز منهم علماء وكتاب وشخصيات دينية واجتماعية تعاطت مع هذا التحدي المذهبي بصورة فعالة افرزت تمايزا واضحا قد يكون مختلفا عما آلت اليه الامور في بقية مناطق المملكة.

لقد ساهم اعادة تنظيم اجهزة الدولة السعودية الحديثة في ستينات القرن الماضي الى اعطاء دور اكبر للمؤسسة الدينية، وارسى اساسا متينا لعملها، ووضع اطر وسياسات عملية وفعالة ساعدتها في تنظيم دورها وعملها وهيمنتها الشاملة على الادارات الدينية والاعلامية والثقافية والاجتماعية. وقد بدأ منذ ذلك الوقت سيادة الاتجاه الديني السلفي المتشدد الذي عمل على الغاء جميع الاتجاهات الفكرية والمذهبية القائمة وكذلك اضفى عليها الصبغة الاقليمية والمناطقية بسيطرة اتباع هذا الاتجاه من منطقة نجد دون غيرهم على وجه التحديد.

ويمكن القول ان ازمة التمييز والتهميش الت يعيشها المواطنون الشيعة غير مقتصرة عليهم فقط ، إلا انها تتمظهر بصورة اكثر وضوحا بالنسبة لهم دون غيرهم حيث تمتزج فيها المذهبية والاقليمية أيضا.

الواقع الحالي: صور التمييز والتهميش

منذ الستينات من القرن الماضي، بدأت أشكال التمييز والتهميش ضد المواطنين الشيعة تأخذ اتجاها رسميا عبر سياسات واضحة ومقننة. فمع تشكيل وزارات الدولة، تم استبعاد الشيعة من المشاركة في المناصب الرسمية العليا. وهذا مستمر منذ ذلك الوقت والى الآن، حيث لم يعين أي مواطن شيعي في أي موقع اداري كوزير او وكيل وزارة، وكذلك في المرتبات العليا في الدولة. كما استبعد المواطنون الشيعة ايضا من الدخول في المؤسسات العسكرية والامنية بشكل عام وتسلم أي مواقع قيادية فيها – ما عدا حال الإسماعيليين في جنوب المملكة – بالاضافة الى عدم الانضمام في بعض الوزارات السيادية كوزارة الخارجية والداخلية على سبيل المثال. بل تمتد الحالة ايضا الى بعض القطاعات الخاصة احيانا، كشركات البترول والطيران المدني وغيرها من الاجهزة التي تشرف عليها الدولة.

وحتى عندما تم تشكيل مجلس الشورى ومجالس المناطق منذ عام 1992 والى الآن، اقتصر تمثيل الشيعة في هذه المجالس على الحد الادنى، ولم يتجاوز نسبة 2% في احسن الاحوال مع ان نسبتهم لمجمل السكان هي في حدود 15%.

اما من الناحية الدينية، فقد تم الامعان في حرمان الشيعة من ممارسة حقوقهم العبادية عبر منعهم لفترات طويلة من اقامة المساجد واماكن العبادة والاجتماعات، ومن نشر كتبهم وثقافتهم وابرازها في وسائل الاعلام، ومن تعليم ابنائهم المعارف الدينية الخاصة بهم، وكذلك من بناء مدارسهم الدينية. وقد كانت اكثر هذه الممارسات مسببا للحجز والاعتقال لفترات طويلة حتى عهد قريب.

وتحتوي مناهج التعليم الرسمية – وخاصة الدينية منها – على مواد يفهم منها صراحة او ضمنيا التشكيك بمعتقدات الشيعة وممارساتهم العبادية، وكذلك التأكيد على سلامة معتقدات الفرقة الناجية فقط من اهل السنة، كما انها لا تحتوي على تضمين المفاهيم الاسلامية المشتركة التي تساهم في تقريب وجهات النظر وتربية النشأ على الاقرار بالآخر واحترامه.

وسياسيا، تم التعاطي مع الوضع الشيعي على اساس امني، فلم يتم بحث المشكلة في ابعادها السياسية التي تفضي الى الحوار والتفاوض وتقديم التنازلات المتبادلة، بل على اساس فرض القوة والتشكيك في الولاء، وتجييش القوى المعادية عبر السماح لها بالتضييق على الشيعة وتكفيرهم وتشريع الانتقاص منهم.

نماذج من الحوار المشترك

منذ ان تصاعد النشاط السياسي المعارض اثر انتفاضة تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 وما تبعها من احداث نتج عنها العديد من القتلى والضحايا والسجناء، جرت عدة محاولات للحوار مع السلطة نتج عنها لقاء تاريخي عام 1993 بين قيادات المعارضة الشيعية والملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز في مدينة جدة. وكان من ابرز نتائج هذا اللقاء والحوار التوصل الى معالجة جزئية لقضية المواطنين الشيعة، من بينها الافراج عن جميع المعتقلين السياسيين حينها، والسماح لجميع الممنوعين من السفر باعادة وثائق السفر لهم، وكذلك السماح للمعارضين المقيمين في الخارج بالعودة الى المملكة، والتوقف عن الملاحقات الامنية، والسماح للشيعة ببناء اماكن العبادة في مناطقهم.

ومنذ عام 1993، قام المثقفون الشيعة بجهود كبيرة في تعزيز خطاب الاعتدال عبر اصدار العديد من الوثائق والكتابات العامة والسعي لمعالجة الازمة من خلال التواصل مع المسئولين واقطاب القوى السياسية والدينية المختلفة. فهناك لقاءات مستمرة مع مختلف الشخصيات الدينية تهدف الى تعزيز المشتركات وتجاوز نقاط الاختلاف بصورة عامة، كما اصدر المثقفون الشيعة عام 2003 وثيقة "شركاء في الوطن" وقع عليها 450 شخصية اجتماعية وثقافية ودينية ركزت على المطالبة برفع التمييز ضدهم. وساهمت هذه الخطوات في مجملها في تغيير الصورة النمطية حول الشيعة في الداخل السعودي لدى قيادات الاتجاهات الدينية حتى المتشددة منها، وتأكيد ان المشكل الشيعي في المملكة هي ازمة داخلية بامتياز. واثر ذلك في معالجة بعض القضايا من قبل المسئولين والتخفيف من حالات التمييز ضدهم، والمشاركة في برامج الحوار الوطني ومؤتمرات الحوار بين اتباع الاديان التي تكرر انعقادها بصيغ مختلفة.

وبسبب التردد القائم من قبل الحكومة في مواصلة مسار الحوار السياسي تجاه هذه القضية، ووجود اطراف متشددة تعمل على اعادة رسم الصورة النمطية للشيعة السعوديين، وخاصة مع صعود القوى الشيعية اقليميا، وبالخصوص في العراق ولبنان، فان هنالك محاولات لاعادة الوضع لما كان عليه في الفترة السابقة من حيث التشدد والتمييز المعلن وممارسة استفزاز الشارع المحلي بصور مختلفة. فعلى الرغم من ايجابية وهدوء الخطاب الشيعي المحلي بشكل عام وتأكيده على مبادئ الوحدة الوطنية والانفتاح المذهبي والحوار الوطني، إلا ان هناك ممارسات في الفترة الاخيرة من الصعب تجاوزها ويمكن ان تكون استدراجا للوقوع في فخ التوتر المذهبي.

ان فرص مواصلة الحوار الايجابي بين مختلف الاطراف المعنية بالشأن المذهبي لا تزال مؤاتية بشكل جيد في السعودية، ويحتاج ذلك الى القيام بمبادرات سياسية ايجابية جادة من قبل الدولة لتعزيز هذا التوجه وابقائه ضمن اطره الوطنية المحلية.

المطالب المشتركة وسبل تحقيقها

العلاقة بين الحكومة باجهزتها المدنية والدينية من جهة وبين المواطنين الشيعة لا تزال في حالة غير مستقرة، بل تصل في بعض الاحيان لوضع متشنج ومتوتر عند وجود أي تطورات إقليمية او داخلية. فبعد احداث المدينة المنورة في شباط/ فبراير 2009 ، الذي نتج عن مصادمات بين الشرطة الدينية وزوار من الشيعة، عادت الامور الى اوضاعها السابقة من حيث التشنج في العلاقة.

المواطنون الشيعة من طرفهم يتطلعون الى تحقيق حالة من المساواة بينهم وبين بقية المواطنين من ناحية الغاء جميع اشكال التمييز ضدهم سواء في جانبه المتعلق بالحريات الدينية او الحقوق المدنية، ويتطلب ذلك الاقرار والاعتراف بالتنوع والتعددية في المجتمع السعودي. وبناء على ذلك فمن اللازم اتخاذ اجراءات سياسية وادارية واضحة تعالج مثل هذه الحالات وتوجد آليات قانونية واضحة لذلك. من ناحيتها، فان الحكومة لاتزال تثير الشكوك من ناحية ولاء المواطنين الشيعة للنظام السياسي دون ذكر اية شواهد مغايرة، وهو على العموم امر لا يمكن ضمانه الا من خلال بناء الثقة المشتركة بين الطرفين وتحقيق الحد الادني من المطالب الاساسية لهذه الشريحة من المواطنين. ولعله من الضروري التأكيد على بعض المقترحات التي يمكن ان تعتبر مؤشرا واضحا في تهيئة ارضية حوار ايجابي يساهم في الوصول الى حقوق متساوية للمواطنين في المملكة:

1- مواصلة الحوار الايجابي النقدي بسبل مختلفة وضمن اطر متعددة سياسية ودينية لاحراز فهم مشترك ومتبادل وازالة مصادر القلق والشك. ولعل وجود هيئة استشارية للموضوع الشيعي لدى كبار المسئولين يساهم في تشخيص القضايا ذات العلاقة بصورة افضل.

2- التوجه للمعالجة السياسية للازمة والابتعاد عن المعالجات الامنية التي تستبطن اثارة الشكوك واتخاذ اجراءات استفزازية تعقد الامور بصورة اكثر. وخاصة ان هنالك قوى في الوسط الشيعي لديها القابلية للعمل المشترك مع الدولة.

3- التركيز على البعد الداخلي للازمة وتحييد العوامل الخارجية المرتبطة بها، والتعاطي معها كمشكلة وطنية ذات علاقة بمواطنين يسعون لتحسين اوضاعهم وتحقيق حد معقول من مبادئ المساواة مع بقية المواطنين.

4- اعادة النظر في الوثائق والخطابات المقدمة من القوى السياسية والاجتماعية الشيعية ودراستها بموضوعية لبحث امكانية تحقيق بعض المطالب التي تساهم في تهدئة التوتر القائم.

5- وضع جدول زمني واضح لتصحيح الاوضاع القائمة على اساس التمييز، وخاصة في مجالات الحقوق المدنية والحريات الدينية.

6- وضع انظمة وتشريعات محايدة تساهم في الحد من جميع اشكال التمييز بين المواطنين على اساس مذهبي، واعتماد الكفاءة كمقياس في تسلم الوظائف العامة.

7- تصحيح مستوى مشاركة الشيعة نسبيا في الوظائف العليا وعضوية المؤسسات التشريعية والادارية كمجلس الشورى ومجلس الوزراء ومجالس المنطقة وغيرها.

8- تعزيز ثقافة التسامح والتعددية والاقرار بالتنوع المذهبي والفكري، وتأكيد ذلك في مختلف وسائل الاعلام ومناهج التعليم في مراحله المختلفة، ونبذ كل ما يثير أو يؤكد حالة التمييز والتشدد والاقصاء والتهميش بصوره المختلفة.

9- تبني مشاريع الادماج الوطني لجميع مكونات المجتمع وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، من خلال السماح بتشكيل مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية العابرة للمناطق والمذاهب.

10- دعم الاتجاهات السياسية والفكرية المعتدلة في المجتمع السعودي، وتشجيع المبادرات الأهلية في مجال التواصل بين الجهات المختلفة والسماح بتطورها ضمن مؤسسات فاعلة وخاصة في أوساط الشباب.

• كاتب سياسي ومدير "نادي الثلاثاء" في القطيف

Print fb

The Arab Reform Initiative is a consortium of fifteen key policy research centers from the Arab world with partners from Europe and the United States, working to mobilize the Arab research capacity to advance knowledge and promote a home grown program for democratic reform.